حسن الأمين

53

مستدركات أعيان الشيعة

فاستبدل بثان فانكسر أيضا وتكرر الأمر مرة ثالثة ، فقال حينئذ : « إن الأطفال لتضحك حينما ترى بلاطكم خاليا من كرسي يصلح لجلوس الرجال » . وكانت هذه العبارات إهانة واضحة لمحمد خان ، فاستعجل في إرجاعه من حيث أتى . وتجدر الإشارة إلى أن شيبك خان كان قد قسم قواته قسمين فبعث بالقسم الأول إلى تركستان الشرقية ووجه الآخر إلى أراضي ( هزاره ) . وأقوام هزاره في الأصل هم سكان التبت ويتبع أغلبهم المذهب الشيعي . وعند ما شن [ جنپيز ] چنگيز خان هجومه على إيران كان يجلب القوات من بلدان الشرق الأقصى ، وسميت هذه القوات بالهزارة ( أي الألف ) لأنه كان يقسمها إلى مجاميع تتالف كل واحدة منها من ألف مقاتل . واختارت قبائل الهزارة التي قدمت إلى إيران مع [ جنپيز ] چنگيز خان السكن في جبال غور و [ غرجستان ] گرجستان وهي المناطق المركزية من أفغانستان ويسمى أفراد الهزارة الموجودين الآن في خراسان وأطراف مشهد بالبربر . وكانت هذه القبائل متعصبة في تشيعها ، ومن ثم فمن الطبيعي أنها لم تكن مستعدة للخضوع بسهولة لحكم الأوزبك ، فعزم شيبك خان على السير إلى هذه القبائل والقضاء عليها ونهب أموالها ولكنه وجد نفسه في ورطة لا مخرج منها حينما قدم بقواته إلى جبال الهزارة ، ودارت معارك بين الطرفين ، هزم الأوزبك فيها ثم لجا إلى بعض زعماء قبائل الهزارة للاستعانة بهم في تامين انسحاب قواته ، وهنا يذكر صاحب حبيب السير قائلا : « عاد من هجومه على الهزارة ممزق القلب ونزل في بستان جهان آراء » . الحرب مع الأوزبك توجه الشاه إسماعيل إلى مشهد لزيارة الإمام الرضا ( ع ) بعد أن بعث رسوله إلى شيبك خان ، وبعد تشرفه بالزيارة أمر بالتحرك نحو هرات وحينما بلغ حدود سرخس وافته طلائع جيشه بوصول بعض قوات الأوزبك حتى مشارف تجن ، فانتدب أحد الصوفيين المجربين والمعروفين بشجاعتهم ويدعى ( دانه محمد ) للسير إلى قوات الأوزبك على رأس قوة من القزلباش . وحضر دانه محمد لدى الشاه فأطال الأخير النظر إلى وجهه ثم أذن له بالانصراف وحينئذ التفت إلى من حوله وقال لهم لن نرى دانه محمد مرة أخرى ، وكان حدسه في موقعه ، فعند ما اشتبك مع قوات الأوزبك جرح جروحا بليغة وخاطب قواته قائلا : « اعلموا أن دانه محمد إذا مات فان المرشد الكامل حي بحمد الله فانشطوا للقارعة مرفوعي الرؤس » . وحينما سمع أبطال القزلباش هذه العبارة دب الحماس في نفوسهم وهجموا على عدوهم هجمة رجل واحد ، ورأى قائد الأوزبك ( جانوقا ميرزا ) نفسه في خطر حين أخذت سيوف القزلباش تقترب منه فلاذ بالفرار وتفرق جمع قواته ، وتشتتت في الصحراء . وبلغت أخبار هذا النصر المؤزر قوات القزلباش وهي في طريقها إلى هرات فعم الجميع فرح غامر ، وفي أثناء ذلك وصلت أخبار تفيد بهرب محمد خان الشيباني من هرات إلى مرو ، فأمر الشاه إسماعيل عددا من رجاله المعروفين بحنكتهم وحسن تدبيرهم بالتوجه إلى هرات والسيطرة على زمام الأمور فيها والحفاظ على أمن سكانها . ثم أمر قوات القزلباش بالسير إلى مرو لادراك محمد خان فيها ، وكانت قوات الأوزبك التي هزمت في معركتها مع فوج دانه محمد قد التحقت - بعد فرارها من أرض المعركة - بمحمد خان في مرو ، وروى أفرادها ما شاهدوه من بسالة القزلباش وشجاعتهم فكان لرواياتهم تأثير سلبي على معنويات الجنود الأوزبك . وبدت طلائع القزلباش في مشارف مرو ، فاجتمع محمد خان برجاله وتداول الأمر معهم ، فكان رأيهم الابتعاد عن خوض الحرب في الصحراء والدخول إلى قلعة المدينة والاعتصام فيها مع إرسال رسل سريعة في أثناء ذلك إلى تركستان لاحضار القوات منها والقيام بمشاغلة القزلباش حتى يصل المدد وحين ذاك تقطع طرق التموين على القزلباش حتى يصيبهم القحط ثم تهاجم من كل صوب بعد أن يكون الجوع قد أخذ مأخذه منها . واستحسن ملك الأوزبك هذه الفكرة ، فدخل سور مرو وأمر قواته التي بلغ تعدادها ثلاثين ألف مقاتل بالدفاع عن السور والأبراج . وفي الجانب الآخر وصلت قوات القزلباش أطراف مرو فأحاطت بها من جهاتها الأربع ، ولكن تجهيزات هذه القوات لم تكن كافية لمحاصرة مدينة كبيرة وسور منيع كما هو الحال في مرو ولم تكن قد جلبت معها المستلزمات الضرورية لفتح القلاع حيث لم يكن أحد يتصور أن يلجا محمد الشيباني إلى الاعتصام في قلعة بعد كل ما بدر منه من تبجح وغرور . وفي الأيام الأولى من الحصار ، أخذت بعض قطعات الأوزبك تخرج من المدينة وتهاجم القزلباش ، ولكنها كانت تعود في كل مرة بخسائر كبيرة ، فأمر شيبك خان بالكف عن الحرب ، فكانت الأيام الأخيرة من الحصار هادئة وخالية من أي عملية عسكرية ، مما كان يوحي بان الأوزبك يتعمدون إضاعة الوقت وإطالة فترة الحصار . ومن جانب آخر كان الشاه إسماعيل وأركان دولته يدركون كل الإدراك أن الحصار إذا ما استغرق شهرين أو ثلاثة فلن يكون في مصلحتهم ، وستتعسر الأمور أكثر بقدوم إمدادات القوات الطورانية من كل حدب وصوب . وأخذ الشاه يتدبر الأمر ويستجلي الحلول حتى توصل إلى فكرة ، عزم على تنفيذها .